جيرار جهامي ، سميح دغيم
2421
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الأولى ، وخضوع الثانية لأراجيف البيئة ، إنما هو بيان الاختلاف بين المثل الأعلى والواقع . حتى إن الاختلاف في تراثنا بين الرحمة ( من الرحم ) والشيطان ( من الشطط ) يرجع إلى ذلك الاختلاف . ألا تبدو الصيغ في اللغة العربية وجهات مثالية قد أدركها العقل فاستقرّ عليها ؟ أو ليست الكلمة العربية ، بين شقائقها الكلمات الأخرى ، من النفس على مثال النغم بين الأنغام من الأنظومة الواحدة ، توجّه الكلمات بانسجام معانيها ، المحسوس منها والمعقول ، الذهن ، على موجها نحو الحدس المتضمّن في مصدر الاشتقاق ، كما تحمل الأنغام على موجها نموّ الإلهام منبعثا من أعماق الوجدان . ومتى تمّ بعثنا عدنا إلى سابق عهدنا هداية للناس أجمعين . ( الأرسوزي ، المؤلفات 1 ، 298 ، 4 ) . - مما يجب أن لا يغرب عن البال أن اللغة العربية ، بعد أن أصبحت لغة الجميع في هذه البلاد الشاسعة ، تعرّضت إلى محن خطيرة ، مدّة قرون طويلة ، بسبب ما طرأ على العالم العربي من التفكّك السياسي ، والجمود الفكري والاجتماعي ، والانحطاط الثقافي . لأن كل ذلك كان من شأنه أن يؤدّي إلى ارتخاء الروابط المادية والمعنوية بين مختلف الأقطار العربية ، ويفسح مجالا واسعا لتغلّب العامية ، ويطلق العنان للهجات المحلية . ولذلك أصبحت اللغة العربية معرّضة لخطر التفكّك التام ، والتفرّع إلى لغات عديدة تختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا ، لا يترك مجالا لتفاهم المتكلّمين بها . وذلك مثلما حدث للغة اللاتينية . وغني عن البيان ، أنه لو حدث ذلك ، لأدّى - حتما - إلى انشطار الأمّة العربية إلى أمم مختلفة ، ولما بقي على البسيطة شيء يستحقّ التسمي باسم « القومية العربية » . ولكن القرآن ، وقف سدّا منيعا أمام هذه الأخطار الجسيمة ، وحال دون استشراء هذا التفكّك . وذلك لكونه عربيّا ، ولكون الديانة الإسلامية تفرض على جميع المسلمين والمسلمات حفظ طائفة من آياته ، وتلاوتها كل يوم عدّة مرّات ، خلال الصلوات . فلا مجال للشكّ في أن هذه العوامل ، هي التي حالت دون اندثار اللغة العربية الفصحى تحت رمال العامة التي ظلّت تعصف بها طوال عصور الانحطاط ، وهي التي حفظت لها وحدتها وحيويتها ، ويسّرت لها إمكان الانبعاث والازدهار في عصر النهضة الحديثة . ونظرا لارتباط القومية باللغة ، نستطيع أن نقول : وهي التي حفظت القومية العربية من التشتّت والزوال . ( ساطع الحصري ، ما هي القومية ، 254 ، 6 ) . - أن تكون اللغة العربية عاجزة ، في الوقت الحاضر ، عن أن تؤدّي كل ما تحتاجه المكتشفات العلمية الحديثة ، فليس هذا عيبا يبرّر نعتها بالدونية ، أصلا ، حيال اللغات الأخرى . أنا لا أؤمن بالاحتكار في عالم اللغات . أؤمن بأفقيتها . كلها متساوية من حيث الجوهر . فإذا نهض الإنسان نهضت اللغة . قلت ، في غير هذا المجال ، متى وجد الشاعر ، وجدت اللغة الشعرية . ومتى وجد الفيلسوف ، وجدت اللغة الفلسفية . ومتى وجد العالم ، وجدت اللغة العلمية . ( كمال الحاج ، اللغة العربية ، 67 ، 2 ) .